الشيخ الطبرسي
104
تفسير مجمع البيان
( يتوفاكم ) أي : يقبض أرواحكم أجمعين . وقيل : يقبضكم واحدا واحدا حتى لا يبقي منكم أحدا ( ملك الموت الذي وكل بكم ) أي : وكل بقبض أرواحكم ، عن ابن عباس قال : جعلت الدنيا بين يدي ملك الموت ، مثل جام يأخذ منها ما شاء إذا قضى عليه الموت ، من غير عناء ، وخطوته ما بين المشرق والمغرب . وقيل : إن له أعوانا كثيرة من ملائكة الرحمة ، وملائكة العذاب ، عن قتادة والكلبي . فعلى هذا المراد بملك الموت الجنس ، ويدل عليه قوله ( توفته رسلنا ) وقوله : ( تتوفاهم الملائكة ) . وأما إضافة التوفي إلى نفسه في قوله ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) فلأنه سبحانه خلق الموت ، ولا يقدر عليه أحد سواه ( ثم إلى ربكم ترجعون ) أي : إلى جزاء ربكم من الثواب والعقاب تردون . وجعل ذلك رجوعا إليه ، تفخيما للأمر ، وتعظيما للحال . وروى عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( الأمراض والأوجاع كلها بريد للموت ، ورسل للموت ، فإذا حان الأجل أتى ملك الموت بنفسه فقال : يا أيها العبد ! كم خبر بعد خبر ، وكم رسول بعد رسول ، وكم بريد بعد بريد ، أنا الخبر الذي ليس بعدي خبر ، وأنا الرسول أجب ربك طائعا ، أو مكرها . فإذا قبض روحه ، وتصارخوا عليه ، قال : على من تصرخون ، وعلى من تبكون ، فوالله ما ظلمت له أجلا ، ولا أكلت له رزقا ، بل دعاه ربه ، فليبك الباكي على نفسه ، فإن لي فيكم عودات وعودات ، حتى لا أبقي منكم أحدا ) . ثم أخبر سبحانه عن حالهم في القيامة ، وعند الحساب ، فقال : ( ولو ترى ) يا محمد ، أو أيها الانسان . ( إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم ) أي : يوم القيامة حين يكون المجرمون متطأطئي رؤوسهم ومطرقيها ، حياء وندما وذلا . ( عند ربهم ) أي : عندما يتولى الله سبحانه خلقه ، يقولون : ( ربنا أبصرنا وسمعنا ) أي : أبصرنا الرشد ، وسمعنا الحق . وقيل : معناه أبصرنا صدق وعدك ، وسمعنا منك تصديق رسلك . وقيل : معناه إنا قد كنا بمنزلة العمي فأبصرنا ، وبمنزلة الصم فسمعنا . ( فارجعنا ) أي : فارددنا إلى دار التكليف ( نعمل صالحا ) من الصالحات ( إنا موقنون ) اليوم لا نرتاب شيئا من الحق والرسالة . ثم قال سبحانه : ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) بأن نفعل أمرا من الأمور يلجئهم إلى الإقرار بالتوحيد ، ولكن ذلك يبطل الغرض بالتكليف ، لأن المقصود به